الشوكاني

120

فتح القدير

قوله ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) أي قربت ولا شك أنها قد صارت باعتبار نسبة ما بقي بعد قيام النبوة المحمدية إلى ما مضى من الدنيا قريبة . ويمكن أن يقال إنها لما كانت متحققة الوقوع لا محالة كانت قريبة ، فكل آت قريب ( وانشق القمر ) أي وقد انشق القمر ، وكذا قرأ حذيفة بزيادة قد ، والمراد الانشقاق الواقع في أيام النبوة معجزة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإلى هذا ذهب الجمهور من السلف والخلف . قال الواحدي : وجماعة المفسرين على هذا إلا ما روى عثمان بن عطاء عن أبيه أنه قال : المعنى سينشق القمر ، والعلماء كلهم على خلافه . قال : وإنما ذكر اقتراب الساعة مع انشقاق القمر ، لأن انشقاقه من علامات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونبوته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة . قال ابن كيسان : في الكلام تقديم وتأخير : أي انشق القمر واقتربت الساعة . وحكى القرطبي عن الحسن مثل قول عطاء أنه الانشقاق الكائن يوم القيامة . وقيل معنى وانشق القمر : وضح الأمر وظهر ، والعرب تضرب بالقمر المثل فيما وضح . وقيل انشقاق القمر هو انشقاق الظلمة عنه وطلوعه في أثنائها كما يسمى الصبح فلقا لانفلاق الظلمة عنه . قال ابن كثير : قد كان الانشقاق في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة . قال : وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات . قال الزجاج : زعم قوم عندوا عن القصد وما عليه أهل العلم أن تأويله أن القمر ينشق يوم القيامة ، والأمر بين في اللفظ وإجماع أهل العلم ، لأن قوله ( وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ) يدل على أن هذا كان في الدنيا لا في القيامة انتهى ، ولم يأت من خالف الجمهور وقال إن الانشقاق سيكون يوم القيامة إلا بمجرد استبعاد ، فقال : لأنه لو انشق في زمن النبوة لم يبق أحد إلا رآه لأنه آية ، والناس في الآيات سواء ، ويجاب عنه بأنه لا يلزم أن يراه كل أحد لا عقلا ولا شرعا ولا عادة ، ومع هذا فقد نقل إلينا بطريق التواتر ، وهذا بمجرده يدفع الاستبعاد ، ويضرب به في وجه قائله . والحاصل أنا إذا نظرنا إلى كتاب الله ، فقد أخبرنا بأنه انشق ، ولم يخبرنا بأنه سينشق ، وإن نظرنا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد ثبت في الصحيح وغيره من طرق متواترة أنه قد كان ذلك في أيام النبوة ، وإن نظرنا إلى أقوال أهل العلم فقد اتفقوا على هذا ، ولا يلتفت إلى شذوذ من شذ واستبعاد من استبعد ، وسيأتي ذكر بعض ما ورد في ذلك إن شاء الله ( وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ) قال الواحدي : قال المفسرون : لما انشق القمر قال المشركون سحرنا محمد ، فقال الله ( وإن يروا آية ) يعني انشقاق القمر يعرضوا عن التصديق والإيمان بها ، ويقولوا سحر قوى شديد يعلو كل سحر ، من قولهم استمر الشئ : إذا قوى واستحكم ، وقد قال بأن معنى مستمر : قوي شديد جماعة من أهل العلم ، قال الأخفش : هو مأخوذ من إمرار الحبل ، وهو شدة فتله ، وبه قال أبو العالية والضحاك ، واختاره النحاس ، ومنه قول لقيط : حتى استمر على شر لا يزنه * صدق العزيمة لا رثا ولا ضرعا وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة ( سحر مستمر ) أي ذاهب ، من قولهم مر الشئ واستمر إذا ذهب ، وبه قال قتادة ومجاهد وغيرهما ، واختاره النحاس . وقيل معنى مستمر : دائم مطرد ، ومنه قول الشاعر : ألا إنما الدنيا ليال وأعصر * وليس على شئ قديم بمستمر أي بدائم باق ، وقيل مستمر باطل ، روى هذا عن أبي عبيدة أيضا . وقيل يشبه بعضه بعضا ، وقيل قد مر من